( في فكر الترجمة الجديد ؛ ترجمة الحرف ) 3
يستمر برمان في عرض نماذج من الترجمات المركزية للثقافة الغربية وفي الفصل الخامس يتناول ترجمة شاتوبريان ل"الفردوس المفقود" لميلتون من الانجليزية الى الفرنسية مرورًا باللاتينية، فيشرح الظروف المحيطة بها وهي ان فرنسا كانت تعيش ازهى عصورها الرومانسية ومايهمه هنا امران كما يقول: ظهور حركة واسعة للترجمة ، قطعت مع الترجمة الكلاسيكية. والامر الاخر هو تقييم جديد لفعل الترجمة هاته. وقد مهدت لهذا الفعل الذي لايذهب حد "التمزيق" الاضطرابات الناتجة عن الثورة وعن قيام الامبراطورية بصيغتين: الأولى: كونهما ( الثورة والامبراطورية ) قد اخترقتا اوروبا وبلغتا المشرق العربي ( مصر تحديدًا ) التي كان لها تأثير ثقافي كبير فلقد فُكت رموز لغة قديمة [ الهيروغليفية ] والثانية: كون الثورة والامبراطورية ساهمتا في بروز عدد من الكتاب الفرنسيين الذين اختاروا المنفى؛ منهم شاتوبريان و مدام دو ستايل و بنيامين كونستان و دو ميستر و ريفارول و دوليل و بونالد. ويدخل برمان في اختيار الترجمة الحرفية للنصوص؛ ما يمكن ترجمته ممالايمكن ترجمته، اذ يثير في البداية لغزًا حير بوشكين حيث يقول معلقًا "في هذا اليوم -وهذا مثال مثير- ترجم الكاتب الأول بفرنسا، نص ميلتون حرفيًا ، معلنًا بأن الترجمة الحرفية تشكل قمة فنه [ ... ] ، ومن الممكن ان يكون لها تأثير على الأدب" ويعلن برمان مسرعًا الى القول ب "ان اختيار الترجمة الحرفية راجع في الآن نفسه الى بنية العمل المترجم والى وضعية المترجم"
والترجمة الحرفية لاتكتفي بالنص الأصلي كأفق بل تتخذ افاقًا ابعد في التاريخ كأن تكون ترجمة "الفردوس المفقود" متأثرة بكتب ترجمة الكتاب المقدس وايضًا الانياذة. ولكن الترجمة الحرفية نظرًا لجدتها فإنها تتعارض مع كل الترجمات السابقة ، يقول مترجم "الفردوس المفقود" :"لو اردت انجاز ترجمة انيقة للفردوس المفقود فقط ، لبلغت مستوى ترجمة من هذا القبيل اعتمادًا على قدرٍ من المعرفة بالفن . لكنني قمت بترجمة حرفية بكل ما في الكلمة من معنى". لابد ان نفكر - حين نعلم ان هذه الترجمة ترجمة معادة - بزمن ومكان الترجمتين. لذلك فان الترجمة المعادة تخص الاصل وتواجه الترجمات القائمة ايضًا ، فالترجمات الاولى ليست هي الاعظم ولا يمكن لها لن تكون.
كما يعرض انطوان برمان لترجمة حرفية اخرى ( وكبرى ) في الفصل السادس الا وهي ترجمة بيار كلوسوفسكي للانياذة والتي قام بها عام 1964. وترجع ترجمة الانياذة الى الحاجة الى التناغم مع الاصل التي ميزت تلك الفترة، لماذا؟ لان هذه الاعمال هيمنت على الذاكرة مدة طويلة دون ترجمة سوى اقتباسها او محاكاتها. فقد تمت قطيعة مع ترجمة هذه الاعمال الكلاسيكية الكبرى او السخرية منها. وقد عرف القرن التاسع عشر الفيلولوجيا التي لم تكتفِ بالهيمنة على الاعمال الكلاسيكية بل منحت لنفسها حق التعليق عليها ، فيرفق العمل بملاحظات نقدية تبين للقارئ معنى العمل وتموقعه تاريخيًا وبذلك فرضت نفسها كسلطة على المترجمين وترجماتهم ، فكانت الفيلولوجيا وبالًا على علاقتنا بالاعمال الكلاسيكية حسب برمان. وحرفية كلوسوفسكي يمكنها ان تفيدنا في لتوضيح ماهية الحرفية وان تساعد بشكل حاسم ، بين التقليد الاعمى والحرفية. ومن الواضح ان الفرنسية قد تحررت من اللاتينية فكلوسوفسكي يقول في مقدمة ترجمته : "بما ان الجانب المفكك للتركيب الذي لا يخصالنثر اللاتيني بل النظم ايضًا ، خاضع للتواطؤ فاننا لا يمكننا معالجته اثناء ترجمتنا لقصيدة ما ، كاعتباط يختلط فيه الحابل بالنابل ويمكن تصحيحه وفق منطقنا النحوي. فالتجاوز الارادي للكلمات التي يؤدي اصطدامها الى الغنى الجهيري والى مهابة الصورة ، هوالذي يشكل بالضبط هيئة كل بيت شعري.
ومما لاشك فيه -يستمر كلوسوفسكي- ان القيمة الجهيرية للكلمة اللاتينية المدعمة بالخاصية الاعرابية للغة ، غالبًا ما تختفي في الفرنسية ، التي لم تتحرر من اللاتينية الا عندما اصبحت من اكثر اللغات "تحليلية" ، واصبح الاعراب يحتل فيها مركزًا ثانويًا. ويمكن القول ان هذا الاستعمال السحري يختفي تقريبًا في ترجمة نص مثل الانياذة ، ما إن نقتصر على المعنى العقلاني للخطاب المتعلق بالملحمة. وقد لاحظ مرمونتيل ان الملحمة لا تحكي مثل التاريخ بل هي تحاكي فعلًا ما.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق